Monday, November 20, 2006

الهوية والعولمة .. صداقة ممكنة





بقلم : محمد محمود يوسف




يمنحنا عصر العولمة الذي نعيش فيه فرصة رائعة للنهل من العلوم والحضارات بما يفيدنا ويجعلنا نواكب العصر وتلتقي الثقافات وتمتزج الرؤى والأطروحات، ولكن يظل هناك خطر قابع في الطريق, وهو خطر اندثار الهوية واغتراب الثقافة واللغة في بحور الثقافات والحضارات.كيف ننهل من بحر الثقافات دون أن ننسى ثقافة الذات ؟ كيف نكتسب مهارات جديدة دون أن نودع قيمنا الأصيلة ؟ كيف نوائم بين فيضان الثقافات وبين الحفاظ على لغة الضاد؟




في الواقع إذا لم يكن عند الإنسان رغبة حقيقية في الحفاظ على هويته, وحماية قيمه وتراثه، فإنه سرعان ما يتوه فى زحام الثقافات، وتختلط عليه الرؤى واللغات, وتنشأ عنده ثقافة جديدة قد تخلط بينها وبين ثقافته ولغته، وقد تنشأ ثقافة جديدة بلغة جديدة يودع صاحبها معها تراثه اللغوي والثقافي والحضاري, والإنسان العاقل المدرك لخطورة الموقف يرحب بحوار الثقافات والحضارات وينهل من العلم والمعرفة، ولكن دون أن تحتويه أو يودع معها هويته وقيمه.تشمل الهوية لغة الإنسان وقيمه ومبادئه ودينه، والهوية عنوان الشخص، فبها يُعرف، وبها يناقش، وبها يحاور الآخر ويحترمه، وبها يرى ذاته. وتعد حماية الهوية من أخطر القضايا؛ لأن حماية الهوية تعنى حماية التراث وحماية اللغة التي نعشقها.




لمعرفة الآخر والحوار معه والاستفادة منه يجب معرفة لغته وثقافته وطبيعه مجتمعه، ولكن لا يجعلنا ذلك ننسلخ من ردائنا ولغتنا, نعم نتعلم لغات جديدة وثقافات جديدة، ونعيش عصر الفضائيات بثقافاتها ولغاتها، ولكن مع هذا كله نعشق لغتنا الجميلة, ونحترم تراثنا, ونحافظ على هويتنا، ونبرزها، ونتنافس مع الآخر لإثراء المعرفة والعلم والتوصل للابتكارات وكل ما هو جديد في العلم لنفع البشرية.




ليس الفتى من قال هذا أبي، ولكن الفتى من قال ها أنذا, لن نتغنى بعظمة ماضينا وما فعله الأجداد وما مر به تاريخنا من فترات ازدهار وانتعاش ورقي علمي, لا يجب أن نعيش في مأزق الفخر بالماضي, نعم الماضي شكّل هويتنا وثقافتنا، ومن البديهى الحفاظ عليهما، ولكن يجب أيضاً أن يكون لنا في العصر الحديث إنجازاتنا الثقافية والحضارية، وأن نُعرّف العالم بهويتنا ولغتنا, نُعرف العالم أكثر بالهوية العربية واللغة العربية, ننافس بقوة فى ميادين العلم والاختراعات لنصنع حضارة حديثة قائمة أيضاً على أساس الهوية بمعطيات تمثل آخر ما وصل إليه العلم.




اغتراب اللغة والهوية يعنى نوعاً من الاحتضار لهما، أو نوعاً من الشروع في قتلهما, أن تعيش اللغة بين أهلها وهي غريبة عنهم وهم غرباء عنها, فلغتنا العربية ثرية، ويجب أن نحافظ عليها ونفخر بها ونعشقها، ومرحباً باللغات الأخرى، مرحباً بالثقافات الأخرى، مرحباً بالحضارات الأخرى، ولكن دون أن نهمل لغتنا, دون أن نطمس هويتنا, دون أن نهدم حضارتنا وتراثنا.




عصر العولمة الذي نعيشه يسّر لنا التعرف على الآخر، ويسّر لنا أيضاً أن نُعرّف الآخر بنا, نعرفه بلغتنا, بقيمنا, بثقافتنا, بعلمائنا, بإنجازاتنا، أي نعرفه بهويتنا فتنشأ صداقة بين الهويات، وتبادل للعلم بين الثقافات, واحترام للحضارات، مما ينتج عنه إثراء للعلم والمعرفة، دون أن تغترب الهوية وتغترب اللغة.الحفاظ على الهوية يعني الحفاظ على الذات، وقد يعجب المرء بأصحاب الثقافات الأخرى والحضارات الأخرى والإنجازات الأخرى، ويتحاور معهم وينهل من علمهم، ولكن يجب ألا ينسى هويته ولغته وقيمه، وألا يتوه في الزحام؛ زحام الثقافات واللغات والحضارات, بل يعتز بهويته ويحاول أن يثبت للآخرين أنه قادر على المنافسة، قادر على صنع الإنجازات، قادر على المساهمة في صنع عالم العولمة بهويته وثقافته ولغته.




مرحباً بالآخر دون طمس للهوية, مرحباً بالعولمة التي من خلالها نصنع صرحاً من الإنجازات، ونقدم مزيدا من العلم والمعرفة والابتكارات, بتعاون بين الحضارات والهويات واللغات, دون أن نجرح هويتنا، ودون أن نجعل لغتنا تعيش حالة من الاغتراب المحزن.

No comments: